السيد كمال الحيدري
55
شرح بداية الحكمة
التي تصدر عن الفواعل الإرادية لها مبادئ متعددة ، وهذه المبادئ المتعددة يقع بعضها في طول البعض الآخر : فلها مبدأ قريب ، ومبدأ متوسط ، ومبدأ بعيد . والمبدأ القريب للفواعل الإرادية هو تحريك العضلات الذي هو من الفواعل الطبيعية ، فالبحث عن غاية للمبدأ القريب لابد أن يكون في الفواعل الطبيعية لا في الفواعل الإرادية . وهذا لا يتنافى مع كون النفس التي تحرّك العضلات عالمة بفعل التحريك ، وهي من الفواعل الإرادية ؛ فإن النفس لها مراتب متعددة ، وكما أنها موجودة في مرتبة القوى الطبيعية كذلك هي موجودة في مرتبة القوى النباتية والحيوانية . والنفس في مرتبة القوى الطبيعية ليس لها علم بفعلها ، نعم هي في مرتبتها الحيوانية والناطقة تعلم بفعلها الواقع في مرتبتها الطبيعية . وعليه ، فالمبدأ القريب لحركة العضلات فاعل طبيعي ، والفاعل الطبيعي غايته ما إليه الحركة ، وليس ما لأجله الحركة . والمبدأ المتوسط والذي هو وراء المبدأ القريب هو الشوق والإرادة ، فإن تحريك العضلات في الفواعل الإرادية ليس جزافياً وإنما هو مبني على إرادة . والإرادة ليست جزافية وإنما هي ناشئة عن شوق يستتبع الإرادة المحرّكة للعضلات . فالقوة الشوقية في الإنسان تستتبع إرادة ، والإرادة تستتبع تحريك العضلات فيتحقّق الفعل في الخارج . ومن الواضح أن القوة الشوقية التي تستتبع الإرادة داخلة في الفاعل الإرادي لا الطبيعي . فالإرادة هي المبدأ المتوسط لحركة العضلات ، وحركة العضلات هي المبدأ القريب . وغاية الإرادة ليس فقط ما إليه الحركة ، إذ الفاعل الإرادي هو ما لأجله الفعل ، فهو إذ يتحرك إنما يتحرك لأجل غاية وراء الحركة . والمبدأ البعيد والذي هو وراء المبدأ المتوسط هو المبدأ العلمي ، فلكي يحصل للإنسان الشوق ( المستتبع لإرادة الفعل والمسبّب بالتالي لحركة العضلات ) فلابد أن يتصور ذلك الفعل ، وما لم يتصوّر ذلك الفعل فلا